الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

108

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

قطعا ومن هنا ظهر وجه آخر لصدق الإعادة في المقام إذ الظاهر أنه لا يعتبر في تحقق مفهومها ما يزيد على ذلك فصحة استناد الفعل إليه حينئذ قاضية بصدق الإعادة على استئنافه كذلك فإن قلت إن ما ذكره إنما يصح صدق الإعادة إذا كان المأتي به صحيحا عند الشروع ويطرؤه الفساد بعد ذلك وأما إذا كان فاسدا من أول الأمر كما إذا انكشف إيقاعها من غير طهارة فلا يتم ذلك قلت قد يصح ذلك بأن وقوع تلك الأفعال على وجه الفساد لا يقضي بعدم صدق الإتيان ببعض ذلك العمل إذ لا يعتبر في صدق ذلك اتصاف ذلك البعض بالصحة لما عرفت من أن الصحة إنما يتصف بها في الحقيقة العمل بتمامه دون الأبعاض واعتبارها في التسمية إنما هو بالنسبة إلى وضع اللفظ للكل والمدار في صدق كون المأتي به بعضا من العمل أنه لو انضم إليه سائر الأجزاء والشرائط كان عملا تاما وهو كذلك في المقام فقد يكتفي بالإتيان بذلك في صدق الإعادة بحسب العرف ومن ذلك يظهر وجه آخر في الجواب عن الإيراد المتقدم لكنه لا يخلو عن ضعف ومع الغض عن ذلك فيمكن تصحيح إطلاق الإعادة في المقام بما سنذكره في الوجه الثاني ومع الغض عنه أيضا فالتزام التجوز في خصوص الصورة المفروضة في لفظ الإعادة أو اللفظ الموضوع لتلك العبادة غير مستنكر وليس ذلك إلا كتجوزهم في إطلاق تلك الأسامي على العبادات الفاسدة وأما ثانيا فبأن المراد بالصلاة في قولهم أعد صلاتك أو يعيد صلاته ونحوهما أما مطلق الصلاة من غير أن يكون إطلاقا لها على ما أوقعه من الفعل فلا مانع من أن يراد به الفعل المخصوص الموافق لأمر الله تعالى فيكون صدق الإعادة على فعله ثانيا من جهة إتيانه أولا بالفرد المفروض على أنه أداء للصحيح وبملاحظة كونه إتيانا بتلك الطبيعة وإن لم يكن ما فعله أولا إتيانا بالصحيح بحسب الواقع حتى يكون أداء لذلك الفعل حقيقة فإن غاية ما يعتبر في صدق الإعادة هو إيقاع الفعل ثانيا سواء كان الواقع منه أولا من أفراد تلك الطبيعة بحسب الحقيقة أو بحسب الصورة واعتقاد العامل كونه أداء لذلك الفعل وإتيانا بتلك الطبيعة وإن لم يكن بحسب الواقع كذلك ألا ترى أنه يصح أن يقال في الصورة المفروضة أعد ما كلفت به أو ما أمرك الله بأدائه أو ما افترضه الله عليك مع أن شيئا من ذلك لا يشمل الفاسد قطعا إلا أنه لما كان إتيانه بالفعل الأول من جهة كونه أداء للمكلف به وإتيانا بالواجب صح التعبير المذكور وظاهر العرف لا يأبى عن صدق الإعادة على ذلك على سبيل الحقيقة وأما أن يراد به الفعل الصادر منه على أنه مصداق للصلاة والإتيان به إتيان لتلك الطّبيعة المخصوصة فاللفظ المذكورة قد استعمل فيما وضع له وأطلق على المصداق المفروض بالاعتبار المذكور حسبما مر تفصيل القول فيه في بيان الحال في إطلاق الصلاة على الصلاة الفاسدة بحسب الواقع الصحيحة باعتقاد الآتي بها فيكون الأمر بإعادتها دليلا على عدم صحة الأول واشتماله على الخلل ويكون صحة إطلاق الإعادة منوطا بصحة إطلاق الصلاة على الفعل الأول بالنظر إلى اعتقاد العامل حسبما عرفت وقد يجعل من هذا القبيل إطلاق الصلاة فيما لو قيل رجل صلى بغير طهارة أو صلى بغير سورة أو صلى مع الخبث ناسيا أو جاهلا بالحكم أو صلى إلى غير القبلة إلى غير ذلك فيصح الاستعمالات المذكورة على سبيل الحقيقة على القول بوضعها للصحيحة بالملاحظة المذكورة ومما يشهد بما قلناه أنه لو فرض ثبوت وضع الصلاة بإزاء الصحيحة صح استعمال الإعادة فيما ذكر من الاستعمالات قطعا ولا يأبى عنه العرف على الفرض المذكور أيضا ولذا استعملها القائل المذكور بوضعها للصحيحة أو الأعم على نحو واحد فتأمل وأما ثالثا فبالتزام التجوز في جميع تلك الاستعمالات أما في لفظ الإعادة أو في أسامي تلك العبادات حيث أريد بها المعنى الأعم ليستحق بذلك صدق الإعادة على سبيل الحقيقة ولا مانع من ذلك إذ لا دلالة لمطلق الاستعمال على الحقيقة كما مر وكذا لا دلالة في لزوم التجوز في لفظ آخر على فرض كونها حقيقة في معنى مخصوص دون غيره على عدم وضعه له ووضعها للآخر نظرا إلى مخالفة المجاز للأصل لما عرفت في مباحث الدوران من عدم صحة إثبات الأوضاع بمثل الأصل المذكورة فإنها أمور توقيفية لا يصح الاستناد في إثباتها إلى الوجوه التخريجية نعم لو حصل ظن بالوضع من ملاحظة العرف صح الأخذ به لما دل على حجية مطلق الظن في مباحث الألفاظ وحصول ذلك في المقام محل منع والحاصل أن الاحتجاج المذكور إن كان من جهة الاستناد إلى لزوم المجاز في لفظ الإعادة أو اسم العبادة في تلك الألفاظ الاستعمالات لإثبات كون تلك الألفاظ عبادة موضوعة للأعم من الصحيحة وقد عرفت أن مجرد لزوم التجوز على أي من الوجهين لا يصلح دليلا على وضعها له لذلك وليس الأصل المذكور بنفسه أصلا في إثبات الأوضاع ونفيها وإن كان من جهة بعد التجوز في تلك الاستعمالات الشائعة ففيه أنه لا مانع من شيوع المجاز مع انضمام القرينة إليه كما هو المفروض في المقام سيما مع قرب المجاز وكمال ارتباطه بالحقيقة وقيام الشواهد من الخارج على المجازية فتأمل وعن الثاني أنه لا باعث على التزام التجوز في تلك الاستعمالات بناء على وضعها للصّحيحة إذ المراد بالصلاة حينئذ هو مفهوم الصلاة المستجمعة للأجزاء والشرائط وقد أطلقت على ما كان مشتغلا بأدائه نظرا إلى مطابقته لتلك الطبيعة بملاحظة ما أتي به من أجزائها وما هو بصدد الإتيان به من باقي تلك الأجزاء ومفاد الحكم ببطلان ما أتي به لطريان المفسد عليه وهو خروجه عن كونه مصداقا لتلك الطبيعة وإتيانا بذلك الواجب فالمقود أن ذلك المصداق المحصل لتلك الطبيعة في الخارج قد خرج من كونه مصداقا لها مصححا لوجودها فالبطلان إنما يتصف به ذلك المصداق باعتبار طرو المفسد عليه وإطلاق الصلاة عليه إنما هو بالاعتبار الآخر أعني من جهة اعتبار المكلف أداءه مستجمعة للأجزاء والشرائط ليتحقّق الطبيعة في ضمنه وقد يجعل البطلان أيضا متعلقا بتلك الطبيعة من جهة وجودها نظرا إلى منع المبطل عن وجودها وإطلاق الصلاة عليها باعتبار المفهوم الملحوظ حين الاستعمال حسبما قررناه وعن الثالث أما أولا فبالمنع من استلزامه ودلالة النهي على الصحة إذ ذلك إنما يتم إذا أمكن الإتيان بالماهية الصحيحة في ضمن المنهي عنه وأما مع استلزامه استحالة الإتيان به كذلك فمن أين يجيء الدلالة على صحة المنهي عنه والقول بأن استحالة إتيانه حينئذ بالصحيح قاضية بقبح تعلق النهي به حسبما مر مدفوع بالفرق بين ما يستحيل الإتيان به من جهة تعلق النهي وما كان مستحيلا قبل تعلقه وما يقبح تعلق النهي به إنما هو الثاني خاصة لما فيه من الهذرية وأما الأول فلا مانع منه لإفادة النهي إذن استحالة حصوله فإن قلت إن استحالة صدور ذلك من المكلف من الأمور